في البداية كان عليّ نقل الأخبار. أغلبية الزملاء محرومون من الزيارة
وكلنا ممنوع عنا الجرائد، لذا كانت زيارتي الأسبوعية المصدر الأساسي
للأخبار. توالت أخبار أزمة الصهاينة السياسية الممتدة ومعها أخبار صفقة
القرن. أتذكر محاولاتي لتحليل تلك الأخبار سريعًا على «النضارة». ربما
كانت هذه التحليلات هي الوسيلة التي تَعَرف الزملاء علي بها. المهم أن فلسطين
كانت دائمًا ع البال.
ثم أتت الجائحة وانقطعت الزيارات ومعها الأخبار. دخلت إضرابًا عن الطعام
امتد 37 يومًا. أحكي لصاحبي السجين عن زيارة خيمة اعتصام الأمعاء الخاوية
بغزة. منذ تلك الزيارة، أضربت عن الطعام أربع مرات. وفي كل مرة أتذكر إضراب
الأسرى. فلسطين دائمًا ع البال.
رغم الهزائم، ما زلت ممتنًا للثورة، فأفضالها عليّ كثيرة. ومن ضمنها أنني
تمكنت من زيارة فلسطين مرتين. لا أقول أبدًا زرت غزة، ليس فقط لأن فلسطين لا
تتجزأ، ولكن من يزور غزة لا بد أن يدرك أنه في حاضرة فلسطين وقلبها النابض،
من يزور غزة يستبدل فلسطين الحلم والرمز والقصيدة بفلسطين الشحم واللحم
والدم والدمع والعرق.
في مناورة لعزلي عن زملائي، وربما في محاولة لاستيعابي بعد أسبوع من
إضرابي، نُقلت مؤقتًا لـ«ربع» آخر مسموح لنزلائه بقراءة الجرائد. بعد ستة
أشهر حرمان من الكلمة المطبوعة، أمسكت الجريدة «القومية». وكان أول ما وقعت
عيني عليه صورة لطفل أو طفلة فلسطينية تضع ورقة كرنب (ملفوف) على وجهها
كبديل عن الكمامة الطبية. أتلمس أخبار الجائحة وأحاول تخيل كيف تغير وجه
العالم، أحاول تخيل كيف يتعايش ابني خالد مع الإغلاق والتباعد الاجتماعي
والكمامات والمسحات. أفخر دائمًا بأن أول ختم على جواز خالد (وآخر ختم على
جوازي قبل الاعتقال) كان ختم معبر رفح. ولد خالد في خضم الثورة وزار فلسطين
قبل أن يتم عامه الأول. في الزيارة الأولى، حكيت عن محاولات أسرتي أن تحيا
حياة طبيعية في ظل ظروف استثنائية لا تنتهي، وتصورت أن هذه هي الخبرة
الفلسطينية، فختمت كلمتي بـ«أهلاً أنا فلسطيني». تبدو كلمتي ساذجة الآن،
فالعالم كله دخل في أوضاع استثنائية لا تنتهي، فهل صرنا كلنا فلسطينيين؟!
لا طبعًا. وحدهم أطفال غزة تنتشر صورهم بالملفوف بديلاً عن الكمامة. لست
فلسطينيًا ولا قدمت شيئًا يذكر للقضية ولكن حينما عادت الزيارات ودخل عليّ
خالد بقناع خاص مناسب لحساسيته المرتبطة بالتوحد، بدا القناع مشابه لقناع
الملفوف الفلسطيني. لست فلسطينيًا ولكني عربي وفلسطين دائمًا ع البال.
بعد إنهاء إضرابي، عدت لزنزانتي الأصلية. احتفى بي الزملاء، كانت أيام
عيد الفطر وقضيناها في سمر ومديح وإنشاد.
ثم طلبوا مني أن أنشد. لا أجيد الغناء، لكني شاركت لأول مرة بأغنية بدلًا
من الأخبار وتحليلها. يومها غنيت «أناديكم»، ففلسطين دائمًا ع البال.
بعد العيد مُنعت من تبادل الرسائل مع أسرتي، أو للدقة لم أنجح في الالتزام
بخطوط حمراء غامضة ومتغيرة بخصوص المسموح لي بكتابته. آخر رسالة مُنعت لأني
عبرت عن قلقي على صحة أختي منى في سياق الجائحة وخشيتي أن تكون مناعتها قد
تأثرت بجرعات الغاز المسيل للدموع المكثفة أثناء أيام الثورة الأولى. لا
أعلم إن كانت المخالفة هي ذكر الثورة ولو في سياق سلبي أو أن الغاز المسيل
في حد ذاته يغضب السلطات. أعلم فقط أن الكميات التي أطلقت على الثوار في
مصر لا تقارن إلا بما يتعرض له الفلسطينيون في القدس والضفة، وآثار الغاز
طويلة المدى لم تدرس جيدًا. فلسطين دائمًا ع البال.
بدأت أمي اعتصامًا أمام بوابة طرة المغلقة بحجة «كورونا»، وانتهى الأمر
بالاعتداء عليها وعلى أختاي واعتقال سناء للمرة الثالثة. يخجل الزملاء من
إبلاغي بالأخبار السيئة، لذا يصلني الخبر متأخرًا. أحاول تهدئة روع زملائي
(وروعي) بوصف شخصية سناء العنيدة المقاومة. أبدأ بأنها سميت على اسم سناء
محيدلي عروس الجنوب. أذكر مشاجرة كبيرة معي لأني رفضت أن أترك مشاغلي وأن
تترك هي امتحان الإعدادية ونذهب معًا إلى غزة بعد أن هدمت المقاومة الجدار
العازل بيننا. ربما وقتها تصورت أن الحصار لن يدوم. في 2012، تبدل الحال.
وما أن أتيحت فرصة للدخول، تركت الثورة وسافرت إلى فلسطين بينما سناء التي
استشهد صديق لها بين يديها أثناء اشتباكات اقتحام سفارة الصهاينة لم تفهم
معنى أن يأخذ المرء إجازة من الثورة.
ولكن بنهاية العام، ومع اندلاع القصف على غزة مجددًا، توجهت سناء فورًا ولم
تصبر حتى وصول الوفد الرسمي. دخلت بدون أختام ولا جواز سفر، وانقطعت
أخبارها حتى انتهت المعركة. حكيت عن سناء فجاءتني رسالة تفيض محبة من جاري
أنس الغالي عليّ مقدار غلاوة أخوته. وُلد أنس في نفس عام مولد سناء، لذلك أجد
صعوبة في الاعتراف بأنه ليس فتى يافع وإنما رجل في نهاية العقد الثالث من
عمره. ليلتها حلمت بأخته الشهيدة بدلًا من أختي الأسيرة وصحيت لأغني «في
البال أغنية»، ففلسطين دائمًا ع البال.
أثناء سرد تاريخ أسرتي، أكتشف أن جاري البعيد عم سيف (الذي خطف طائرة
مطالبًا بالإفراج عن المعتقلات) قد التقى بوالدي في جنوب لبنان عندما انضم
كلاهما للمقاومة. أتعجب من مفارقات القدر، سيفان شيوعيان مصريان تقابلا في
المخيمات. أحدهما عاد إلى مصر ودخل المعتقل وخرج منه محاميًا مدافعًا عن
الضعفاء والكادحين. والثاني ظل مع المقاومة ومنظمة التحرير إلى أن انتقلت
المنظمة إلى رام الله والمقاومة إلى غزة وتركوه وحيدًا بلا ميدان ولا مخيم
ولا بندقية، فعاد إلى مصر لا يعرفها ولا تعرفه وتاه فيها حتى قامت ثورة
ردته للحياة. حاول أن يقاوم انتكاسة الثورة بتكتيكات فدائيين السبعينيات
فنعتوه بالجنون ورموه في حبس انفرادي في «عقرب 2» ( أحد سجون طرة
). أتعجب من مفارقات القدر ولا أستغرب التقاطع على أعتاب فلسطين، فنحن
عرب، وفلسطين دائمًا ع البال.
تعود الزيارات للانتظام ولكن الزيارة ثلث ساعة في الشهر بحجة الجائحة.
أعود لتلمس الأخبار. صفقة القرن تجري على قدم وساق، والإمارات لم تكتف
بالتطبيع، بل دعت السودان للانضمام مستغلة هشاشة الوضع السياسي والاقتصادي،
والشعوب العربية لا تنتفض. بعد مرور عام من الحبس، ألتقي الزميل رامي شعث
في حبسخانة المحكمة. رامي معتقل بسبب نشاطه في حملة «BDS». نقضي اليوم
كله على السلك الفاصل بين قفصين متجاورين نتبادل الأخبار. أخبره أنني أخشى
أن يتم تصفية القضية. يشوح رامي بيده كما يليق بفلسطيني ويبشرني أن عدد
الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية تخطى عدد اليهود لأول مرة، وأن الضعف
العربي يقابله نجاح حملات المقاطعة في تربية جيل جديد من المتضامنين بسائر
أنحاء العالم.
ينهي رامي كلامه بإخطاري أن المصالحة بين الفصائل أوشكت، وأحدثه أنا عن
تغير ديموغرافي في أمريكا قد يحلحل التماهي المعتاد مع الصهيونية، ولكني
أتصور أن أمامه عقد من الزمان حتى يؤتي أكله. رامي متفائل، ولكن أنا أتذكر
ربيعنا المغدور وحصار السفارة والمعبر المفتوح. أتذكر هتافنا «الشعب يريد
إنهاء الحصار» وهتافكم «الشعب يريد إنهاء الانقسام». أتساءل إن كان
المشاركون في مظاهرات العودة ومطلقو الطائرات الحارقة يعلمون شيئًا عن هذه
الهتافات؟ من صورهم يبدون كأنهم فتية صغار جدًا وغالبًا لا علاقة لهم بلحظة
تصورنا أن الطريق إلى القدس يمر من القاهرة. أيا ما كان، سواء اعتمدت على
تفاؤل العقل أو تفاؤل الإرادة، تظل فلسطين دائمًا ع البال.