Ghost of Spring Past

شبح الربيع اللي فات

Ghost of Spring Past

احكي معك فتخرج كلماتي مصحوبة باطياف لغوية. ما أن أبدأ في رص الكلمات حتى اجدها تستحضر تراكيب واصطلاحات، حاملة معها استعارات ومجازات لم اتعمدها. تربكني اللغة المسكونة بأشباح النصوص و سير الاسلاف و تراجم الأدباء و تاريخ القراء.

احكي عن احساسي بك و انا مغمض العينين، في مقابل إدراكي لمشاعرك حين افتحها. تستجلب الصياغة سياق طاغي عن العين و النظر و الشوف. تختفي تفصيلتي الحميمة بين طبقات المعاني و يتضاءل السياق الذي حاولت استدعائه.

استسلم و أكتفي بلفظة Manifold … متعددة الشعب، التي هي الزمكان، الذي هو الكون. للدقة هي وسيلة في وصف تصور عن الكون. نستخدم فستانك للتقريب و التشبيه فأتوه في طياته و في شعابك.

يمثل سياق الفيزياء تحدي دائم لأي لغة و تمثل اللغة تحد دائم للعلماء. في البحث عن الدقة و التبسيط معا هل تتجرد الفيزياء فعلا من المجازات ثم تستدعيها مجددا وقت الشرح فقط؟ لا أعلم، لكن لغتي مشحونة بقراءات عن فيزياء لا أفقها حقا، اعرف ما يكفي فقط لزيادة الطين بلة. اضحك على عبثية تكافئ الدونات و فنجان القهوة. و مسخرة البقر الكروي السابح في الفراغ.

أسألك عن رأيك، فتحكي لي لا عن اللغة الأم بل عن لغة الأم. اشباحك حميمية، حتى الأزلي منها قريب. تحكي لي عن صوتية كن، و عن نوت و الجب السحيق. لا تتوهين في الخطوط و الدوائر بل تبحثين عن عيون الكلام … و تفترضين ان المتلقي سيتتبعك.

قصاصة أثر انت؟ تستقرئين علامات في بحور الكلام؟ أم أنك حادية قافلة تحفظ طريق موروث؟ يقال أن الغجر و اللاجئين و الهاربين يحفرون علامات سرية يستدل بها على الطريق … لكن الطريق مجاز قاصر لمسألة اللغة، فالكلام كما تعلمين اخذ و عطاء.

يقول مورفي إن ما يمكن أن يفسد سيفسد! كل خطأ قابل للحدوث سيحدث! كم من أخطاء كامنة في لغتي؟ و ما مدى اللبس الذي يمكننا تحمله؟ و هل نستأنس برفقة الاشباح الساكنة في كلماتنا؟

في البداية كان عليّ نقل الأخبار. أغلبية الزملاء محرومون من الزيارة وكلنا ممنوع عنا الجرائد، لذا كانت زيارتي الأسبوعية المصدر الأساسي للأخبار. توالت أخبار أزمة الصهاينة السياسية الممتدة ومعها أخبار صفقة القرن. أتذكر محاولاتي لتحليل تلك الأخبار سريعًا على «النضارة». ربما كانت هذه التحليلات هي الوسيلة التي تَعَرف الزملاء علي بها. المهم أن فلسطين كانت دائمًا ع البال.

ثم أتت الجائحة وانقطعت الزيارات ومعها الأخبار. دخلت إضرابًا عن الطعام امتد 37 يومًا. أحكي لصاحبي السجين عن زيارة خيمة اعتصام الأمعاء الخاوية بغزة. منذ تلك الزيارة، أضربت عن الطعام أربع مرات. وفي كل مرة أتذكر إضراب الأسرى. فلسطين دائمًا ع البال.

رغم الهزائم، ما زلت ممتنًا للثورة، فأفضالها عليّ كثيرة. ومن ضمنها أنني تمكنت من زيارة فلسطين مرتين. لا أقول أبدًا زرت غزة، ليس فقط لأن فلسطين لا تتجزأ، ولكن من يزور غزة لا بد أن يدرك أنه في حاضرة فلسطين وقلبها النابض، من يزور غزة يستبدل فلسطين الحلم والرمز والقصيدة بفلسطين الشحم واللحم والدم والدمع والعرق.

في مناورة لعزلي عن زملائي، وربما في محاولة لاستيعابي بعد أسبوع من إضرابي، نُقلت مؤقتًا لـ«ربع» آخر مسموح لنزلائه بقراءة الجرائد.  بعد ستة أشهر حرمان من الكلمة المطبوعة، أمسكت الجريدة «القومية». وكان أول ما وقعت عيني عليه صورة لطفل أو طفلة فلسطينية تضع ورقة كرنب (ملفوف) على وجهها كبديل عن الكمامة الطبية. أتلمس أخبار الجائحة وأحاول تخيل كيف تغير وجه العالم، أحاول تخيل كيف يتعايش ابني خالد مع الإغلاق والتباعد الاجتماعي والكمامات والمسحات. أفخر دائمًا بأن أول ختم على جواز خالد (وآخر ختم على جوازي قبل الاعتقال) كان ختم معبر رفح. ولد خالد في خضم الثورة وزار فلسطين قبل أن يتم عامه الأول. في الزيارة الأولى، حكيت عن محاولات أسرتي أن تحيا حياة طبيعية في ظل ظروف استثنائية لا تنتهي، وتصورت أن هذه هي الخبرة الفلسطينية، فختمت كلمتي بـ«أهلاً أنا فلسطيني». تبدو كلمتي ساذجة الآن، فالعالم كله دخل في أوضاع استثنائية لا تنتهي، فهل صرنا كلنا فلسطينيين؟! لا طبعًا. وحدهم أطفال غزة تنتشر صورهم بالملفوف بديلاً عن الكمامة. لست فلسطينيًا ولا قدمت شيئًا يذكر للقضية ولكن حينما عادت الزيارات ودخل عليّ خالد بقناع خاص مناسب لحساسيته المرتبطة بالتوحد، بدا القناع مشابه لقناع الملفوف الفلسطيني. لست فلسطينيًا ولكني عربي وفلسطين دائمًا ع البال.

بعد إنهاء إضرابي، عدت لزنزانتي الأصلية. احتفى بي الزملاء، كانت أيام عيد الفطر وقضيناها في سمر ومديح وإنشاد.

ثم طلبوا مني أن أنشد. لا أجيد الغناء، لكني شاركت لأول مرة بأغنية بدلًا من الأخبار وتحليلها. يومها غنيت «أناديكم»، ففلسطين دائمًا ع البال.

بعد العيد مُنعت من تبادل الرسائل مع أسرتي، أو للدقة لم أنجح في الالتزام بخطوط حمراء غامضة ومتغيرة بخصوص المسموح لي بكتابته. آخر رسالة مُنعت لأني عبرت عن قلقي على صحة أختي منى في سياق الجائحة وخشيتي أن تكون مناعتها قد تأثرت بجرعات الغاز المسيل للدموع المكثفة أثناء أيام الثورة الأولى. لا أعلم إن كانت المخالفة هي ذكر الثورة ولو في سياق سلبي أو أن الغاز المسيل في حد ذاته يغضب السلطات. أعلم فقط أن الكميات التي أطلقت على الثوار في مصر لا تقارن إلا بما يتعرض له الفلسطينيون في القدس والضفة، وآثار الغاز طويلة المدى لم تدرس جيدًا.  فلسطين دائمًا ع البال.

بدأت أمي اعتصامًا أمام بوابة طرة المغلقة بحجة «كورونا»، وانتهى الأمر بالاعتداء عليها وعلى أختاي واعتقال سناء للمرة الثالثة. يخجل الزملاء من إبلاغي بالأخبار السيئة، لذا يصلني الخبر متأخرًا. أحاول تهدئة روع زملائي (وروعي) بوصف شخصية سناء العنيدة المقاومة. أبدأ بأنها سميت على اسم سناء محيدلي عروس الجنوب. أذكر مشاجرة كبيرة معي لأني رفضت أن أترك مشاغلي وأن تترك هي امتحان الإعدادية ونذهب معًا إلى غزة بعد أن هدمت المقاومة الجدار العازل بيننا. ربما وقتها تصورت أن الحصار لن يدوم. في 2012، تبدل الحال. وما أن أتيحت فرصة للدخول، تركت الثورة وسافرت إلى فلسطين بينما سناء التي استشهد صديق لها بين يديها أثناء اشتباكات اقتحام سفارة الصهاينة لم تفهم معنى أن يأخذ المرء إجازة من الثورة.

ولكن بنهاية العام، ومع اندلاع القصف على غزة مجددًا، توجهت سناء فورًا ولم تصبر حتى وصول الوفد الرسمي. دخلت بدون أختام ولا جواز سفر، وانقطعت أخبارها حتى انتهت المعركة. حكيت عن سناء فجاءتني رسالة تفيض محبة من جاري أنس الغالي عليّ مقدار غلاوة أخوته. وُلد أنس في نفس عام مولد سناء، لذلك أجد صعوبة في الاعتراف بأنه ليس فتى يافع وإنما رجل في نهاية العقد الثالث من عمره. ليلتها حلمت بأخته الشهيدة بدلًا من أختي الأسيرة وصحيت لأغني «في البال أغنية»، ففلسطين دائمًا ع البال.

أثناء سرد تاريخ أسرتي، أكتشف أن جاري البعيد عم سيف (الذي خطف طائرة مطالبًا بالإفراج عن المعتقلات) قد التقى بوالدي في جنوب لبنان عندما انضم كلاهما للمقاومة. أتعجب من مفارقات القدر، سيفان شيوعيان مصريان تقابلا في المخيمات. أحدهما عاد إلى مصر ودخل المعتقل وخرج منه محاميًا مدافعًا عن الضعفاء والكادحين. والثاني ظل مع المقاومة ومنظمة التحرير إلى أن انتقلت المنظمة إلى رام الله والمقاومة إلى غزة وتركوه وحيدًا بلا ميدان ولا مخيم ولا بندقية، فعاد إلى مصر لا يعرفها ولا تعرفه وتاه فيها حتى قامت ثورة ردته للحياة. حاول أن يقاوم انتكاسة الثورة بتكتيكات فدائيين السبعينيات فنعتوه بالجنون ورموه في حبس انفرادي في «عقرب 2» ( أحد سجون طرة ). أتعجب من مفارقات القدر ولا أستغرب التقاطع على أعتاب فلسطين، فنحن عرب، وفلسطين دائمًا ع البال.

تعود الزيارات للانتظام ولكن الزيارة ثلث ساعة في الشهر بحجة الجائحة. أعود لتلمس الأخبار. صفقة القرن تجري على قدم وساق، والإمارات لم تكتف بالتطبيع، بل دعت السودان للانضمام مستغلة هشاشة الوضع السياسي والاقتصادي، والشعوب العربية لا تنتفض. بعد مرور عام من الحبس، ألتقي الزميل رامي شعث في حبسخانة المحكمة. رامي معتقل بسبب نشاطه في حملة «BDS». نقضي اليوم كله على السلك الفاصل بين قفصين متجاورين نتبادل الأخبار.  أخبره أنني أخشى أن يتم تصفية القضية. يشوح رامي بيده كما يليق بفلسطيني ويبشرني أن عدد الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية تخطى عدد اليهود لأول مرة، وأن الضعف العربي يقابله نجاح حملات المقاطعة في تربية جيل جديد من المتضامنين بسائر أنحاء العالم.

ينهي رامي كلامه بإخطاري أن المصالحة بين الفصائل أوشكت، وأحدثه أنا عن تغير ديموغرافي في أمريكا قد يحلحل التماهي المعتاد مع الصهيونية، ولكني أتصور أن أمامه عقد من الزمان حتى يؤتي أكله. رامي متفائل، ولكن أنا أتذكر ربيعنا المغدور وحصار السفارة والمعبر المفتوح. أتذكر هتافنا «الشعب يريد إنهاء الحصار» وهتافكم «الشعب يريد إنهاء الانقسام». أتساءل إن كان المشاركون في مظاهرات العودة ومطلقو الطائرات الحارقة يعلمون شيئًا عن هذه الهتافات؟ من صورهم يبدون كأنهم فتية صغار جدًا وغالبًا لا علاقة لهم بلحظة تصورنا أن الطريق إلى القدس يمر من القاهرة. أيا ما كان، سواء اعتمدت على تفاؤل العقل أو تفاؤل الإرادة، تظل فلسطين دائمًا ع البال.

Read more »

إيقاع

الطالبة

تتململ في جلستها بقلب القاعة. قدمها تطرق بانتظام على الدكة الخشبية. تقبض على هاتفها بقلق. تدرك أن دورها غير محوري؛ لو تجاهلت الرسالة، لو خرجت حتى من القاعة، لن يتغير شئ. تعرف أن أحلامها غير واقعية، لو بقيت في مكانها وقامت بدورها على أكمل وجه، لن يتغير شئ. ومع ذلك يغلب عليها التوتر. قضت الليل حائرة في اختيار الملابس المناسبة. اليوم امتحان. يفترض ان تشغلها أمور اخرى، وهي لا تهتم عادة. عدم الاكتراث بالمظهر الخارجي هو السبب الرئيسي لاستمرارها في ارتداء الحجاب. من دقائق مضت لم تكن تعلم أنها ستتحكم في إشارة البداية في هذه القاعة، وقبلها لم تكن تعلم أنها ستتجه إلى هذه القاعة. كل قراراتها كانت عفوية، لم تحلم بهذا الدور، لم ترغب به، لم تكن متأكدة اصلا من صحة إشاعة أن هناك من يقوم بدور القائد. كل ما تعرفه انها لو نجحت لن يتذكر أحد من بدأ، وإن فشلت ستقف وحيدة. تبتسم نصف ابتسامة و تهدأ، تعجبها تلك الفكرة. يرن الجرس للمرة الثانية، تحاول ان تتذكر عدد دقات الجرس قبل رفع الستار في المسرح رغم أنها لم تحضر أي مسرحية من قبل.

المشرفة

تقبض على هاتفها بضيق وتراجع الساعة. تمر على القاعات مجددا. تزعجها الدكك الخالية وعدم قدرتها على تفسير خلوها. تتنقل من قاعة لقاعة وتفكر بمن تتصل وماذا تقول؟ لا يمكن ان تقول ان القاعات خالية. لكن نسب الغياب هذه غير منطقية. هل عطلهم طارئ ما؟ هل تلوم المرور مثلا؟ هل فاتها خبر عن حدث جلل؟ هل تستجوب الحضور؟ العاملين؟ هل تتصل بزملاء في نفس موقعها؟ برؤسائها المباشرين؟

الساعي

يتحرك بصينية المشاريب بسرعة ومهارة. شئ يلفت انتباهه. لاحظ أولا قلة طلبات القهوة، بل قلة الطلبات كلها رغم الزحام. الزحام نفسه مستغرب لماذا تتكدس القاعات بهذا الشكل وفي هذه الساعة المبكرة؟ لو انها قاعة واحدة مكدسة فهذا يسهل تفسيره؛ شخص ذو عزوة أو شعبية. لكن كل القاعات! يلاحظ أحد أفراد الأمن واقفا في منتصف الردهة قابضا على هاتفه بتوتر. لا يحب هذا الرجل لكنه اعتاد عليه، على الأقل لا يتهرب من دفع ثمن مشاريبه بعكس زملائه. يسأله إن كان قد لاحظ شيئا غريبا اليوم. يرد رجل الأمن بقلق بالغ “كلهم عيال صغيرة”.

الشاب

يجلس في طرف القاعة قابضا على هاتفه، يحاول أن يخفي توتره. اليوم يوم حاسم. بعد فضيحة مارس تصور أن مستقبله انتهى. صحيح انه من خريجي البرنامج التدريبي لكنه يكاد يكون الوحيد الذي صعد بلا واسطة ولا ظهر يحميه. يعلم أن دخوله البرنامج وليد صدفة. لحظة احتاجوا فيها لتنويع الوجوه وتجميل الصورة. لعب دور الشاب المعارض، مثال المعارضة البناءة. عمل بدأب، فدوره المنصوص عليه دور صعب؛ إن تمادى في المعارضة تورط وإن تماهي في التذلل فقد قيمته. صدّر حالة من الاستحقاق بناء على ذكاء وجهد ومثابرة، وتوجت جهوده بضمه الى خلية إدارة الأزمة. يدرك تماما خطورة موقفه، فهو لم يدع للانضمام للخلية الا لأنه مَن حذّر اللواء من الأزمة الوشيكة. نصرٌ نادر لجهاز منوط به التعامل مع الجرائم الالكترونية العادية لا قضايا الأمن القومي. لكن الجبل تمخض عن فأر ومر يوم الأول من مارس بسلام. أطيح باللواء عقابا له على إحراج القيادة وإحداث حالة ذعر تداولتها وكالات الأنباء وتأثرت بها البورصات. لم يحمِه الا ان اللواء كان قد قدم تقريره وكأنه نتاج جهده الشخصي. لم يطَح به مع اللواء لا لأهميته وإنما لعدم اهميته. لن يطول الأمر. إما ان يثبت نفسه اليوم او تنتهي مسيرته والله أعلم أي نهاية، فهو في كل الأحوال مجرد مدني. و حتى المعارض الأليف قد يجد نفسه في السجن في غمضة عين.

الضابط

تقدم نحو المنصة، نظر الى الشاب اثناء مروره به، يحتاجه حتى لا يبدو وكأنه يتذاكى ويتخطى رؤساءه، لن يتكرر الخطأ، فالمستقبل واعد. لا يرضى عن أسلوب تعاملهم مع اللواء، حماه. ربما يجد طريقة لتصحيح الصورة اليوم. لكن عليه التحرك بحذر، أن يعرض الأمر وكأنها نظرية، ألا يقترح تحركات أو حلول. لا يثق في الشاب كثيرا وطموحه المبالغ فيه. يشك في كونه يدرك خطورة ما يحدث. يرغب فقط في الظهور وإثبات أهميته. لكنه، وبحكم مهنته، يعلم. وقف أمام الشاشة، أخذ وقته في شرب المياة وهو يرتب أفكاره، ثم بدأ في الحديث:

“الشهور اللي فاتت تحرياتنا أكدت جدية المؤامرة. إحنا غلطنا صحيح في تفسير تاريخ اليوم. زي ما هتشوفوا في التقرير اللي قدام حضراتكم ده إسم تنظيم سري قديم أعيد إحياؤه، وهو المسؤول عن الهجمات. للأسف ملفات التنظيم فقدت في الأحداث المؤسفة اللي مرت بيها البلاد في ألفين وحداشر، لكن تمكنا اخيرا من التوصل لواحد من مؤسسي التنظيم، وبعد جهد كبير ادلى باعترافات تفصيلية”.

انتظر قليلا بينما يتصفحون الملف. الاعترافات لا علاقة لها بالأزمة الحالية لكن رداءة خط السجين غالبا ستثنيهم عن الخوض في التفاصيل. يحاول ألا يتذكر شكل السجين بعد التعذيب. لا يمكن ان يصرح بالحقيقة لكن عليه أن يقود رؤساءه للاعتراف بحقيقة التهديد القادم بدون أن يتورط في ما لا يفهمه. تأتي اسئلتهم مشتتة ومربكة. عليه انهاء النقاش. عند اول فرصة يتدخل:

“الأهم دلوقتي حضراتكم مش الاعترافات اللي عن تاريخ التنظيم لكن هم بيخططوا لإيه حاليا. تحليلنا لمعنى يوم واحد مارس وانه هيشهد هجمات الكترونية واسعة تستهدف البنية التحتية كان غلط، لكن لا يمكن إهمال ان السنة دي سنة كبيسة. للأسف اللي توصلنا اليه مجرد ملامح و بناءً عليها عندنا نظرية عايزين نطرحها على حضراتكم النهاردة وانتم اقدر على تحليلها. تاريخ واحد مارس مكانش تاريخ الـevent، ده كان تاريخ الدخول في الـevent horizon - يعني أفق الحدث، والمصطلح ده دارج في أوساط الهاكرز، والمقصود ان ده التاريخ اللي عنده وصلت عدد الأجهزة المصابة للكتلة الحرجة المطلوبة للهجمات، لكن منعرفش تاريخ بداية الهجوم هيكون امتى؟ وهل هو اصلا هيحصل كله مرة واحدة؟ هاعرض على حضراتكم تدوينات قديمة منسوبة لمؤسس التنظيم اتمسحت قبل بداية الأزمة رغم إنه كان مسجون وقتها. التدوينات دي صحيح كانت علنية لكنها بتكشف يمكن النوايا وأسلوب التفكير ورا المخطط اللي احنا بنواجهه.”

المدونة

على الشاشة يظهر تسجيل لحاسوب قديم من ذوى الشاشات الضخمة. تقترب الكاميرا من الشاشة السوداء. كتابة كثيرة تعبر عن نظام التشغيل العتيق DOS وبعد ثوان تظهر جملة قصيرة بالانجليزية على الشاشة. تتكرر الجملة حتى تملأ حيز الشاشة كاملة. يرتبك الحضور؛ بعضهم يضحك وبعضهم يقطب جبينه. لا أحد يعلم إن كانت السيرة محرمة أم عطرة. موقف القيادة الحالية غير واضح ولا احد يعلم ما الانحياز المطلوب تبنيه.
تتغير الشاشة ويظهر عليها صور ملتقطة لتدوينة:

«في التسعينات كنا جمهور مستخدمي الكمبيوتر محدود العدد وبنتصرف كأننا قبيلة. مكانش الانترنت منتشر وقتها، كنا بنتداول الملفات والبرمجيات من خلال الفلوبي ديسك. مجرد انك تقابل في مواصلة واللاا مكان عام حد ماسك في ايده علبة ديسكات ده كان حجة كافية للتواصل والتعارف ولتبادل البرامج والألعاب. عملية تداول الملفات بالديسكات دي كانت الفرصة الوحيدة لانتقال فيروسات الكمبيوتر. وبالرغم من ضعف تصميم الفيروسات وقتها ومحدودية انتشارها كان خطرها كبير لأن برامج الأنتي فايروس بتنتشر بنفس الآلية البطيئة.
في الوقت ده كثير مننا ربوا عادات وقائية للحماية من الفيروسات. لأن آلية انتشار الفيروسات كانت واضحة وشخصية وكانت مسألة نقل العدوى دي محرجة جدا. آلية الانتقال الشخصية والبطيئة خلت فيه فيروسات محلية تضرب مناطق من العالم ومتخرجش منها الا عبر المطارات و المواني زي الفيروسات البيولوجية..
في الفترة دي انتشر فيروس في مصر لوحدها، لو اصاب جهازك كان بيطلع على الشاشة جملة “Mubarak is a cow” وتقعد تتكرر الجملة مع اي دوسة على أي زرار. الغريب ان الفيروس ده تحديدا كان تصميمه ضعيف ومش بيخبي نفسه كويس. ومع ذلك الفيروس مش بس انتشر، ده صمد وفضل جزء من مشهد مستخدمي الكمبيوتر المبكرين سنوات وسنوات. التفسير الوحيد ان مستخدمي الكمبيوتر المصريين الأوائل ساهموا بشكل عمدي في نشر الفيروس. اغلبنا تبرع انه يبقى حامل طوعي للفيروس ويعرف المستجدين عليه، نحتفظ بنسخ منه ونتداولها. ده كان زمن مفيش فيه معارضة صريحة بتهتف ضد الرئيس في الشوارع ولا بتكتب تنقده بشكل مباشر في الجرائد، لكن انتشرت نكت عن غباوته وتناحته والفيروس ده كان مساهمة منا تبدو مثيرة وخطيرة اكثر من النكت. اثارة تستدعي الكلام عنه بصوت خافت لما تقابل حد مستجد في عالم الكمبيوتر وتعرض عليه نسخة من الفايروس زيه زي الألعاب والبرمجيات. وده يخليه واحد من أنجح الفيروسات في التاريخ لأنه اصاب عقولنا وقلوبنا مش اجهزتنا»

Read more »

الأولى: ميلاد جديد

«كل فراق فيه من طعم الموت، وكل لقاء فيه من رائحة البعث»

آرثر شوبنهاور

«يجب أن تحترق في نيرانك أولًا، كيف تتجدد إن لم تتحول إلى رماد؟»

فريدريك نيتشه

هيمنت على البشرية في أغلب تاريخها فكرتان، حتمية المعاناة في الحياة الدنيا، واستحالة العودة للبراءة الأولى. لكن من الأديان وأساطير الأقدمين تتواتر فكرة بديلة حول موت ثم بعث، تضحية ثم قيام: تنويعات على العنقاء حيث يشكل احتراق القديم وظهور الجديد من قلب الرماد فرصة لكسر دورة القدر إما في صورة صفحة ناصعة أو في عودة للجذور؛ واستمرارًا للذات بعد التخلص من العلل والشوائب والآثام. الألم ثمن ضروري للخلاص.

الثانية: بتر وكَيّ

«يجد المرء نفسه في اختيار ما بين البتر والغرغرينة. البتر حاسم سريع لكن مع الزمن قد يتبيّن عدم ضروريته، وإن أجَل قد يفوت أوانه. الغرغرينة بطيئة، ولكن من المستحيل الثقة في صحة قراءة الأعراض. التفكير في حياة الكسيح يفوق الاحتمال بنفس درجة عدم احتمال مخاطرة التورم والتسمم المؤلم الدؤوب».

جيمس بالدوين

الجسد لا الروح موطن الآلام. الإنسان أصلًا حيوان يعقل. والطب الحديث، بعقلانيته وأدواته وآلياته ومفرداته، كفيل بعلاج كل الآلام. والطب بدأ هناك في الجراحة، في عنف محسوب قد يستدعي إزالة العضو المعتل كله. لا لأن العضو ليس ضروريًا ولكن لأنه ليس جوهريًا. طالما تحيا وتعي ذاتك بعقلك أنت بخير. من منا لا يحلم بخلاص باتر حاسم؟وإن استمر الألم بعدها لا تقلق،فالطب لديه الإجابة: تلك الآلام وهمية نابعة من جهازك العصبي. اعقلها فقط، فعقلك هو جوهرك. إن أقلقك أن خيالك وعقلك واحد عليك بالطبيب النفسي والدواء. لا تقلق، بتر، ثم كي، وقبلهما تخدير وبعدهما مسكنات وإعادة تأهيل وصبر، وتستمر الحياة.

الثالثة: مواد بناء

«دعنا نبني النظام الجديد بالحجارة الباقية من ركام النظام القديم»

فلاديمير لينين

«هكذا نتصور ملاك التاريخ. نظره موجه للماضي. ما يتبدى لنا كسلسلة من الأحداث المتعاقبة يراه هو كارثة واحدة ممتدة، وحطامًا يتراكم فوق حطام تحت قدميه. يريد الملاك أن يتمهل، أن يوقظ الموتى، أن يصلح ما تهشم. لكنه محمول على رياح عاصفة هبت من الجنة، مفتوح الجناحين لا يقوى أن يطويهما من شدة الريح، العاصفة تدفعه خلفًا إلى مستقبل لا يعيه وكومة الركام أمامه ترتفع لعنان السماء. هذه العاصفة التي تنعت التقدم».

فالتر بينجامين

لا المعاناة تضحية ولا الجسد آلة، بل أن ألمك لا يخص شخصك؛ فالفرد ينتمي لمجتمع والمجتمع نتاج حركة التاريخ. لكنك فاعل في هذا التاريخ، لا تكن ضحية له. اجعل من ألمك ثورة ومن معاناتك نضال، اهدم مصادر الألم، وبحطام القديم سنبني الجديد معًا كجماعة فاعلة في التاريخ. هي سنة الحياة وقوانين الكون. إنها حتميات. فقط عليك أن تدرك اللحظة المناسبة وتنضم للفرقة الواعية.

الرابعة: الشبحنة

«يمكن للمجتمعات الرأسمالية أن تتنفس الصعداء، أن تقول لنفسها: الشيوعية انتهت بانتهاء ديكتاتوريات القرن العشرين، لم تنته فقط، بل كأنها لم تكن أبدًا، كانت فقط طيفًا. ولكن جل قدرتها  هو التنصل مما لا يمكن إنكاره. الشبح لا يموت وإنما يعود دومًا».

جاك دريدا

لن يخرجوك من التاريخ ما دمت قادرًا على الحديث، لن ينفوك للماضي ما دمت قادرًا على الاستماع. لكن أي حاضر تسكن؟ لتسكن أحلام رفاقك وكوابيس أعدائك، عش في مستقبل لم يتحقق، عش فيه كطيف وعبرة وذكرى. ذكرهم أن الحاضر لم يكن حتميًا قبل أن يصير. لا تشغل نفسك بسؤال لِمَ لم يتحقق هذا المستقبل المحتمل؟ دع المنتصر يبحث عن الإجابات. كن أنت السؤال ولا تنشغل بعجزك، فالشبح لا يحتاج لحضور مادي ولا تأثير فعلي. عليك فقط أن تتجلى.

الخامسة: نمو متجدد

«بالنسبة للسلامندر التجديد بعد إصابة عنيفة كفقدان طرف يستدعي إعادة إنماء هيكل واستعادة وظيفة مع حضور دائم لاحتمالات الازدواج أو إنتاج أشكال غريبة عند موضع الإصابة. العضو النامي قد يبدو وحشيًا أو مكررًا وقد يبدو أقوى وأكثر فعالية. كلنا مصابون، وإصابتنا شديدة. نحتاج لنمو جديد لا ميلاد جديد، وإعادة تشكلنا تنطوي على حلم وأمل بيوتوبيا، عالم مسخ بلا فروقات ولا عنصريات».

دونا هاراواي

لا عودة لفردوس مفقود فنحن لم نولد أبرياء أصلًا، لا بعث فلسنا أنبياء، وتضحياتنا انتزعت في غفلة منا. لا جراحة ولا دواء، فقرار البتر لم يكن بإرادتنا وعلتنا لم تخضع لبحوث سريرية. لا إعادة بناء فالأرض نفسها لم تعد تتحمل تسوية وتمهيد وحفر. لنؤجل هيام الروح لما بعد الوفاة، فكل واحد منا مسكون بأرواح رفاق مضت ولا يصح تشريدهم مبكرًا.

إن أصروا على معاملتنا كحيوانات بلا أهلية فليكن، ولكن لنتخطى الماشية والدواب والحيوانات الأليفة والمدربة ولنستلهم من الزواحف ونجوم البحر وديدان الأرض؛ تلك الكائنات القادرة على التجدد بعد أي إصابة مهما عظمت. لنتقبل فقط أن ما ينمو عند موضع الإصابة قد لا يطابق القديم، قد يبدو شائهًا. لكن -تمعن قليلًا سترى جمال المشوه، فالمسخ وحده يحمل تاريخ الحلم والأمل وواقع الهزيمة والألم معًا. المسخ وحده لا ينسى جراحه القديمة ولا يخشى جراحًا جديدة.

1

عند خروجي من السجن، تلقيت التهنئة مرارًا و تكرارًا على خروجي في صحة جيدة. ربما تعبر تلك اللفتات عن إحساس بالراحة لعدم تطابق الواقع مع تصور مسبق أن السجون بالضرورة مدمرة للصحة، أو هي مجرد محاولة للبحث عن أي إيجابيات يمكن اﻹشارة إليها. أيا ما كان، لا مانع لدي في اعتبار عبوري المحنة بأقل خسائر جسدية إنجاز استحق عليه التهنئة. لم يكن الأمر سهلًا، بل استدعى جهدًا وقلقًا وتكلفة وتركيزًا وانتباهًا يصل لدرجة الهوس.

لا يخلو الأمر في عالمنا الرقمي من كارهين عبروا عن استيائهم لخروجي في صحة جيدة. هؤلاء بالتأكيد لديهم تصور مسبق أن الغرض من السجون هو تدمير الصحة . أفزعتني كلمات لا من تمنى لي الأذى واستنكر عليّ الصحة، وإنما من اعتبر حالتي وقت الخروج دليل على كذب الحديث عن تدهور حالة مساجين آخرين. صدمتني تحديدًا تدوينات تربط بيني وبين عبدالمنعم أبوالفتوح. في أي سياق غير السجون، هل يمكن اعتبار جسد في عقده الرابع مكافئ لجسد في عقده السابع؟ من منا لم يعرف أجسادًا تتباين في حالتها الصحية؟ فهذه العمة تصاب بالحساسية في الربيع، وهذا الجد تشتد عليه الآم الروماتيزم في الشتاء، وهذا الطفل كثير المرض بينما أخته نادرًا ما تمرض. حياتنا اليومية مليئة بتفاصيل كهذه. من المسلم به أن أجسادنا متباينة، ولكل جسد صفاته وخصائصه وتاريخه. لم يصدر عن أسرتي طوال 60 شهرًا أي كلام عن حالتي الصحية، بينما تحذر أسرة أبوالفتوح ومحاميه من خطورة حالته من اللحظة الأولى. إن أضفنا عامل السن وتأثير الحبس الانفرادي، تصبح المقارنة بلا معنى بالمرة. ما أن  يُحجب المرء خلف أسوار السجن، يتحول إلى جسد مقولب بلا تاريخ ولا خصائص ولا احتياجات متفردة، مثله مثل كل المساجين، وينتفي تمامًا أي تأثير لصوته وما يحكيه الصوت عن الجسد.

2

في هذا اليوم المشهود، انخفضت درجة الحرارة ليلًا وانخفض معها نشاط الحشرات الزاحفة في الكشك الملحق بقسم الدقي الذي أقضي عقوبة المراقبة فيه. استغرقت في نوم عميق بعد صعوبات دامت أسبوعان. استيقظت مبكرًا بدون تعب، بدأت تمارين الصباح بنشاط، خرجت من كشك عزلتي متجهًا للحمام متفائلًا باليوم الجديد. أحاول تعويد نفسي على تجاهل تفاصيل الحياة في قسم شرطة. لا أريد معرفة ما يدور حولي، فقدت فضولي تمامًا فيما يخص الدولة المصرية وخصوصا أجهزتها المتسيدة على أجسادنا. وبينما يحاول ذهني جاهدًا تجاهل ما يدور حولي، أدرك جسدي خللًا ما وبدأت عضلات كتفي في الانقباض. بعد أقل من ساعة كان موعد إطلاق سراحي. توجهت بشكل تلقائي لسيارتي أحمل على كتفي المنقبض فرشتي التي أتنقل بها طوال اليوم. لمحت عيناي استنفارًا أمنيًا وأسلحة آلية مشرعة ومدرعات. تجاهل عقلي التفاصيل لكن قلبي انقبض، وتطور التشنج حتى رقبتي. بصعوبة، قدت السيارة إلى وجهتي القريبة، أحل ضيفًا على الفطور في منزل كثير الأطفال والبهجة، لكن آلام جسدي تحرمني من المشاركة بفاعلية. بعد ساعتين، أنتبه أخيرًا إلى عشرات الرسائل من أصدقاء قلقين علي، بعضهم يحذرني من الحديث أو التعليق أو الكتابة أو البوح. شيء ما حدث أثناء عزلتي واحتجازي، شيء ما يخصني؟ يخصنا؟ على من يعود الضمير؟ أهل؟ أصدقاء؟ رفاق الثورة؟ ألق نظرة سريعة على تويتر. مات محمد مرسي! يدرك عقلي أخيرًا ما أدركه جسدي منذ الفجر.

أنفر من اللغة الرسمية للمواقع الاخبارية، لكن عبر مواقع التواصل الاجتماعي تداهمني سجالات ونقاشات حول تقييم انتخابات 2012 ومظاهرات 2013 ومواقعنا منها. أريد أن أصرخ فيهم، في أصدقائي، في رفاقي، القصة ليست عنا يا أغبياء، لكن جسدي يصرخ في.. ربما، ولكن هناك قصة ما عنك مطبوعة على جسدك، والقادم مرعب، والمستقبل مقبض.

3

أول درس تتعلمه في السجون، لا تمرض . الهاجس سيتملكك أيا كانت حالتك الصحية وظروف حبسك. لا لأن السجون المصرية مليئة بأناس غلاظ القلوب بلا رحمة، بالعكس قد تجد مساحات تراحم تتخطى مخاوفك وتوقعاتك. أخطر ما في السجون في مصر البيروقراطية الشديدة والبارانويا المفرطة. يتطلب العلاج أو الجراحة إجراءات طويلة وبطيئة تبدأ أولًا بإقناع سجانيك أنك لا تكذب ولا تتحايل ولا تتمارض. طبيبك غالبًا ضابط أو ابن ضابط، وفي النهاية لن يكتب تقريره الطبي بدون الرجوع لرئيس المباحث والمأمور، لأن قرارات النقل لمستشفى أو توفير علاج أو إجراء جراحة أو حتى عمل تحاليل تخضع لاعتبارات أمنية ولوجيستية وبيروقراطية تفوق في أهميتها صحتك.

الكارثة الكبرى إذا حدث طاريء ما أثناء الليل بعد غلق السجن. لا يملك المسجون وسيلة لتنبيه سجانيه إلا الصراخ. الطرق على الأبواب الحديدية أسهل وسيلة لإحداث ضجة كفيلة بلفت انتباه سجان نائم، لكن الطرق على الأبواب مخالفة جسيمة لارتباطه غالبًا بتمرد المساجين. لا يهم إن كان زميلك يحتضر، يمكنك الصراخ وربما يصل صوتك، أو حاول أن تسعفه بنفسك. إذا مات، لن يحاسب أحدًا. لكن إذا طرقت على الأبواب ستعاقب أنت وكل نزلاء العنبر. إذا نجحت في لفت انتباه السجان، ستمر دقائق طوال حتى يتسلم السجان المفاتيح، وستمر ساعات طوال يتفحصك فيها مخبرين و«شوايشية» وسجناء في محاولة لتشخيص خطورة الحالة وهل تستدعي إيقاظ الضابط المقيم (والقائم بأعمال المأمور في غيابه)، ثم انتظار أن يقرر الضابط المقيم إن كان الأمر يستدعي التصعيد والاتصال بالمأمور ورئيس المباحث، وبدورهم عليهم أن  يحسموا إن كان الأمر يستدعي تنبيه قيادات أعلى حتى نصل أخيرًا لمحطة اتخاذ قرار بانتقال طبيب من أقرب مستشفى تابع لمصلحة السجون إلى السجن المغلق. ربما يتصادف ملائمة تخصص الطبيب وخبرته للحالة الطارئة، وربما تكفي إمكانيات عيادة وصيدلية السجن للتعامل معها. نظريًا، إن لم تتحقق تلك المصادفات، يمكن تصعيد الأمر لقيادة ما بغرض نقل الحالة الطارئة لسجن بمستشفى مجهز أو لمستشفى خارجي. لكن قرار النقل معقد لدرجة أنه أثناء 60 شهرًا قضيتها في السجون، لم اسمع عن حالة واحدة نقل فيها مسجون إلى غرفة عناية مركزة ليلًا. لكن سمعت عن -وشهدت- حالات وفاة عديدة.

لا يعزل عبدالمنعم أبوالفتوح وأحمد دومة في زنازين انفرادية كوسيلة للعقاب المغلظ أو بغرض تدمير صحتهم وعقولهم. بالعكس، من منظور قيادات مصلحة السجون، هؤلاء نزلاء مرفهين وفرت لهم ظروف أفضل من عموم المساجين. الغرض من العزلة أساسًا حماية إدارة السجن وقيادات مصلحة السجون وضباط الأمن الوطني المسؤولين عن «العناصر اﻹثارية» من المسائلة في حال ظهر اتهام بأن المسجون السياسي الفلاني اتصل بوسيلة ما بالخارج. يتملك الهوس بمنع الاتصال بعالم خارج الأسوار تمامًا من القائمين على السجون رغم نص اللائحة صراحة على حقوق الزيارة والاتصال والمعرفة والتواصل. لم يثبت أبدًا، ولا منطق أصلًا، في فكرة إدارة تحركات سياسية من داخل السجون، لكنها فرية منتشرة وسط أبواق  السلطة وفضائياتها. وبالتالي، قد تحاسب السلطة رجالها على أساس تلك الفرية. لذا يحتاط رجال السلطة بمنع الاتصال. لا يهم إن كان الخطر حقيقيًا أم لا، ولا يهم أثر تلك اﻹجراءات الاحترازية على صحة المساجين. المهم إرضاء القيادة السياسية وحماية المنصب والنفوذ.

كان هذا المنطق حاضرًا في مصير محمد مرسي. فحالته الصحية، وفقًا للتقارير الرسمية، لا يحددها نتائج تحاليل وإشارات حيوية يبثها جسده، ولا يحددها طبعًا سرده هو لآلامه وأوجاعه. حالته الصحية تقرر رسميًا يوم ظهرت تقارير إعلامية تتحدث عن أكله البط والعكاوي في زنزانته. ما أن انتشرت تلك القصة، صار اﻹنكار المسبق لأي مشاكل صحية سياسة رسمية، وصار مستحيلًا على أي فريق طبي خاضع لأوامر الدولة أن يقر بعكس ذلك. لو أرادت رئاسة الجمهورية معرفة الحالة الصحية الحقيقية للرئيس السابق، قد يستدعي الأمر استيراد فريق طبي أجنبي من بلد محايد، فالطبيب في السجون يستأذن المأمور ورئيس المباحث قبل كتابة التقرير.

4

لم يكن هذا اليوم استثنائيًا. ورغم أن قسم الشرطة يستنفر لأسباب قد لا تبدو منطقية للمدنيين أمثالي (كخروج المنتخب من بطولة إفريقيا)، إلا أن الحدث هذه المرة لم يسترع انتباه الجهات السيادية، فالفقيد لم يكن رئيس جمهورية. لا أتذكر لحظة قراءة الخبر أول مرة، غالبًا في الصباح المبكر، تجاهلته في محاولة لتجاهل كل الأخبار المقبضة، لم أركز في هوية الضحية. ولكن على نهاية يومي، وأنا في الطريق لتسليم نفسي مجددًا لقسم الشرطة، بدأ الألم في عضلات الفخذ بعد ليلة عصيبة نمت فيها نومًا متقطعًا بحثًا عن وضع مريح لجسدي ثم نهار مشحون بمشاوير تزايدت معها صعوبة قيادة السيارة. انهارت مقاومتي ولجأت للمسكنات. في اليوم التالي أخيرًا، تركت لذهني العنان مع أخبار الدفن وإدراكي للعلاقات المتشابكة والمتقاطعة مع عمر عادل، الشاب الذي انهار قلبه بدون أي تاريخ مسبق مع المرض بسبب استحالة التنفس في زنازين التأديب بسجن طره تحقيق. تذكرت ليلة قضيتها في نفس عنبر التأديب عندما كان عمري 25 عامًا، مثل عمره. كانت محاولة لكسر إضراب جماعي عن الطعام على ما أذكر. تذكرت خطبة جمعة قادها نزيل زميل افتتحها بأن وجودنا في السجن يعني أننا نمر بأصعب تجربة بعد القبر. زنازين التأديب كالقبور فعلًا لا مجازًا. وكأن عمر دفن حيًا.

Read more »

Reverse Vampires go to sleep early.

They spend the night lying in coffins, then emerge with daylight to prowl the sunny streets of the city.

Reverse Vampires inject their blood into their victims.

If you find yourself feeling tired and drowsy immediately after sunset, you may have been bitten by a Reverse Vampire. You may even turn into one.

If a Reverse Vampire bites you, it will be drawn to you. It may even succumb to your will.

Reverse Vampires cannot fly.

On attempting flight, victims of Reverse Vampires may experience severe nausea and rising anxiety.

Reverse Vampires lead short lives.

The only way to prolong a Reverse Vampire’s life, if by piercing its heart and laying a stake in it.

Reverse Vampires cast long shadows.

Their images linger in mirrors long after they pass by.

Interviews with Reverse Vampires do not sell!

Read more »

في جلسة عائلية تساءلت بمزاح مخلوط بالجد عن البلد المناسب لإعادة بناء حياتي بعد أن تطلق السلطات سراحي نهائيًا. أتت اﻹجابات فورًا بتفادي الجزر؛ فبقائها غير مضمون. لم يتبين لي إن كانت نبرة التشاؤم الساخر تلك تعبيرًا عن بعد المسافة الزمنية الفاصلة بيني وبين الحرية أم قصر الوقت المتبقي قبل الكوارث البيئية الكبرى.

بعدها بأيام قليلة سخرت من استخدام صديقة لكلمة «الفُلك» في مكالمة تليفونية متسائلًا إن كانت تتوقع تكرار طوفان نوح. ردت بجدية مخلوطة بهيستيريا واصفة رعبها من حتمية أن يرث أولادها كوكبًا تغيرت ملامحه بالكامل بسبب التغير المناخي.

غالبًا ما تصور مسألة التغير المناخي في صورة مشابهة لطوفان نوح أو تنويعات مستحدثة كملك الليل والشتاء اللانهائي في مسلسل لعبة العروش. لحظة حقيقة ينزل فيها غضب السماء على البشر كعقاب لتجاهل كل الشواهد والانشغال بصراعات وطموحات لا ترقى للتهديد الوجودي القادم لا محالة.

تدفعنا تلك التشبيهات لتصور أن الوعي بالكارثة في حد ذاته مفتاح الحل، لذا أنفق آلاف العلماء والنشطاء أعمارهم في سعي دؤوب لرفع الوعي بأضرار انبعاثات الغازات الدفيئة حتى صارت مخاطر التغير المناخي حاضرة في كوابيسنا ونكاتنا على السواء. ولكن ما التغيير الذي ترتب على هذا الوعي المتزايد؟

لنتخيل مثلًا لو أن قوم نوح وصلوا لحالة مشابهة لنا من الوعي بخطر الطوفان والاعتراف بحتميته؟ أكان هذا الوعي سيؤدي لسلوك أكثر حصافة من المذكور في الكتب السماوية؟ أم تراه كان سيؤدي إلى تنازع على اﻷراضي المرتفعة وتكالب على الأخشاب المناسبة لبناء السفن؟

في خضم صراع على موارد محدودة قد تحسم مَن سينجو ومَن سيهلك غالبًا سيستغل مَن حاز مال أو قوة أو نفوذ وضعه قبل الطوفان في محاولة لضمان نجاته وذويه بعد الطوفان، بل وسيسعى لاستمرار نفوذه بعد الطوفان. أما مَن تعوزه مصادر القوة والنفوذ فسيحاول الالتحاق بمَن يمكنه توفير أسباب النجاة من رجال أقوياء أو جماعات منظمة، أو سيبحث عن ملاذه في أفكار دينية متطرفة في انتظار معجزات، أو ربما تطرف في اتجاه آخر يسعى لتدمير كل أساليب النجاة الحكر على القلة بحجة أنها محاولات لتعطيل إرادة السماء، و لن يخلوا الأمر من مجموعات ستقبل بحياة قصيرة وتحياها بلا اعتبارات للمستقبل ناهيك عمَن سيستغل الخوف في احتكار تجارة الأخشاب أو ادعاء النبوة أو النصب بحجة امتلاك أسرار هندسية تسمح ببناء سدود لا تقهر وهكذا.

رغم تمسك حتى أكثر المعلقين علمانية بخطابات فناء النوع البشري وانهيار الحضارة تظل تلك التشبيهات التوراتية مخلة ومربكة، بل ومنافية للوعي الشائع شعبيًا فعلًا. بقاء النوع لا يحتاج لأكثر من بعض آلاف من الناجين مع قدر مناسب من التنوع الجيني كفيل بإعادة تعمير الأرض. الحضارة أيضًا ليست بهذه الهشاشة، أينما وُجد بشر قادرون على سرد قصص عن تاريخهم الماضي وتخيل عوالم مختلفة لحاضرهم وُجدت الحضارة. ومع ذلك لا يبعث الأمر على التفاؤل، ربما لا نكون معرضين للفناء، لكننا فطريًا ندرك أن ملايين منّا ستواجه ظروف ضاغطة قد تصل للهلاك، ولن يفلت أغلبنا من تردي حاد في جودة الحياة وتراجع في قدرتنا على ضمان أي قدر من الرفاه للأجيال القادمة.

الأهم أننا ندرك تمامًا أننا رغم مواجهتنا جميعًا لنفس التهديد إلا أننا لن نتساوى في مقدار ولا توقيت التردي المتوقع ولا حجم وطبيعة الخسائر، بل يغلب علينا الشك أن بعضنا قد يستفيد من الكارثة.

هذه الخلطة من مشكلة كوكبية ووعي معولم مع مساحة فعل محلية -إن وُجدت- وشعور بحتمية استمرار عدم المساواة لا تؤدي فقط لمشاعر اﻹحباط الملهمة للنكات السوداء والكوابيس الأسود، بل تدفعنا دفعا لحالة من التناحر والاستقطاب تشكل في ذاتها تهديدًا قد يكون أقرب وأكثر إلحاحًا، إن لم يكن أعظم أثرًا من خطر التغير المناخي.

Read more »

I wish I could write a poem
where the heart is metaphorically transformed
into a house
or is it a home?

I would add a new floor
and build rooms for you
to dwell in
or visit in the afternoons.

We’ll ignore the old tenants at the ground floor
pretend we can’t hear their noise
or notice their junk
littering the corridors.

I wish I could write a poem
to help you let down your guard
and make me feel as if I’m in control.

But the heart is already a metaphor
and I was told mixing them
is no good.

عمليًا وبسبب ضغوط المراقبة، واللُهاث في أقل من نصف يوم لإعادة بناء حياتي العائلية، والاجتماعية، والمهنية تعطلت قدرتي على متابعة الأخبار، والنقاشات العامة. نفسيًا يصعب علي فكرة متابعة ثورات الجزائر، والسودان كمتفرج غير فاعل، وأنا مُحاطٌ بمشاهد العجز التام للمعارضة المصرية.

ولكني تابعت باهتمام السجال الدائر حول إذا كنا كمصريين لدينا ما نقدمه من نصائح للشعبين. عمومًا النصح يكون غالبًا شكل من أشكال «النوستالجيا» أكثر منه موقف عملي، حنين لزمن كنا فيه فاعلين، ومؤثرين.

وربما يكون الأفيد لنا وللرفاق في الجزائر، والسودان أن نعترف بالجانب العاطفي هذا ونستفيد من تلك الحالة في طرح بعض الأسئلة عن ماضينا القريب؟  إذ استخلصنا من تلك النقاشات دروسًا، وعِبرًا ستكون في الغالب مفيدة لنا كمصريين، أكثر من كونها دروسًا عامة صالحة لكل زمان ومكان، وربما لا نصل لإجابات بالمرة، ولكن قد يفيدنا اختبار سردياتنا الذاتية والجماعية عن تاريخ عشناه معًا، ولكننا فشلنا في توثيقه، وسار محل صراع مفتوح مع سلطة قررت قتل المعنى كغطاء على عجزها عن إنتاجه.

Read more »

أطلال لشاعر يبكيها
خرائب لشبح يسكنها
متاحف لسائح يزورها
حفريات لعالم يدرسها
أدلة لمحقق يفحصها

لك مطلق الخيار

ارفع الركام و طهر الأرض
أو
دور المخلفات و أعد البناء

أنت حر

فالعاصفة
لا يعنيها أمر الحطام