(١)
أعلمُ أنَّ “اليأسَ خِيَانَة”
لَكِنَّ الثَائِر في وطني
– لَوْ كان نبيّاً مَعْصومَاً –
و رأى .. تمكِينَ الطّاغيةِ
بأَمْر المظلومِ
و تهليلِ الفُقَراءِ
سيَفْقِدُ إيمَانَهْ!!
قالوا اليأس خيانة.. لم أسترح للشعار أبداً، أفهم دوافعه لكن يقلقني استسهال
كلمة “خيانة”. أدرك أهميته لكن يخيفني إنكار إحساس طبيعي.
يذكرني بمجموعات غاضبة تطوف الميدان حاملة قميص مخضب بدماء باحثة عن أي
خائن ترك اليأس يساور قلبه أو عقله.
يهتكون عذوبة الميدان. نتظاهر بنسيانهم بينما ننسج أسطورة الـ١٨ يوم
الناصعة.. لكنهم لا يتركون كوابيسي!!
في كوابيسي يحيطون بأمي راغبين في طردها من الميدان. تقاومهم ليلى سويف
التي ولدت في رحم الهزائم فنزلت الميدان ١٩٧٢ ولم تعد للآن. لم يجرؤ اليأس
على الاقتراب منها ومع ذلك خونوها ليطردوا شكوكهم ومخاوفهم.
أورثتني أمي كعكة حجرية وأورثني أبي زنزانة. احتراماً لتراثنا
أوتيتُ- أنا- ميراثاً أفضل من أختيَّ، فقد ورثن مشارح وضحايا تعذيب وأحضان
ثكالى.. أخاف حتى من السؤال عن كوابيسهن!!
قالوا أن اليأس خيانة.. فهمت لكني لم أقتنع. سبق أن قالوا لي “أخي أنت حر
وراء السدود”، وها أنا خلفها مجرد من إرادتي وحلمي، وأعلم عن تجربة أن جزءاً
مني سيظل وراء هذه السدود حتى بعد أن يعن لهم إطلاق سراحي!!
الأساطير جزء من ميراثي. قالوا “مين اللي يقدر ساعة يحبس مصر” رغم أن الكل
يعلم أن “تابيوكا” و”الكازار” وكل- وأي- جنرال قادر على حبسها بمقدار ما
يتراءى له في الحلم من ساعات بعقارب خضراء!!
قالوا “الأفكار لا تموت”.. لكنهم لم يقولوا لنا ما قيمة أفكار خالدة لا
يسمعها أحد من دوي الرصاص؟!
لماذا نخاف الاعتراف بالضعف؟ بأننا بشر تفرمنا المدرعات وتخيفنا وتوحشنا
السجون ويشوه الرصاص أفكارنا وأحلامنا، بشر يتكبدون الهزائم وتخذلهم
أجسادهم وتضعفهم نفوسهم الأمّارة بالسوء، تحرقهم أحلامهم وتشلّهم كوابيسهم..
بشر يبحثون عمن يساعدهم على اليأس بالحب!!
(٢)
الأمل..
كمفتاح الجنة
تملكه
فتكون نجوتْ
لكن الجنة ندخلها
في الأحلام..
وبعد الموت!!
إذا كان اليأس خيانة فماذا عن الأمل؟ على الأقل يصارحنا اليأس بحقيقته، أما
الأمل فغدار مخادع. هل رأينا خيانة أبشع ممّا ارتكب بيد وباسم ما تعلقت به
من آمال؟!
الجيش والشعب إيد واحدة، دولة القانون، الدستور أولا، الشعب، المؤسسات
المنتخبة، رفاق الأمس، المناضلون القدامى، قضاة لا يخافون إلا الله،
الجماهير، أمن الميدان، الائتلاف، التنظيم، الحزب، الإعلام المستقل، الجناح
الوطني، المجلس القومي، الضباط الشرفاء…
هل هناك خيانة أكبر من الأمل في بعض- أو كل، أو أي- ممّا سبق؟
هل هناك خيانة أكبر من التمسك بالأمل في تحسن الأحوال بعد إقرار دستور أخلف
كتّبته وعد عدم إتمامه إلا بعد الإفراج عن المعتقلين؟
هل هناك خيانة أكبر من التمسك بالأمل في دولة تفرغت كافة مؤسساتها للقتل
والتعذيب والوشاية؟!
هل هناك خيانة أكبر من الأمل في انتخابات يدور حولها حوار وطني لضمان أقل
قدر من المنافسة وأكبر قدر من اليقين المسبق في نتائجها؟!
هل هناك خيانة أكبر من الأمل في “المرشح الضرورة” رغم أن كل مؤهلاته تنحصر
في هذه “الضرورة”؟
هل هناك خيانة أكبر من الأمل في مرشح مدني يخشى إعلان منافسته للجنرال
صراحة؟!
هل هناك خيانة أكبر من الأمل في جماهير ترفع صور القتلة والجلادين؟ هل هناك
خيانة أكبر من الأمل في رفاق ينكرون الهزيمة كِبرا “لا تحدياً”.. وعندما
تنتشر العدوى ويعود الثوار للشوارع والسجون والمشرحة لا يجدون في رفاقهم
سند؟!
الأمل كاليأس خيانة، ولكنه كاليأس- أيضاً- ضعف إنساني طبيعي.. هنا في
زنزانتي أصارع أحلامي وكوابيسي- ولا أعلم أيهم أكثر وجعاً- يتنازعني اليأس
والأمل معاً.. لكنني- أبداً- لا أخون!!
(٣)
لسنا أحراراً..
فاعترفوا
لكنّا
نتشبث بالغْدّ
مأساةُ الناس: قد اقترفُوا
ذنب الأمنية
.. بلا حَدّْ!!
في يوم صافِ بعد إضرابين عن الطعام وعاصفة ثلجية تهدأ السماء ونجد في أنفسنا
سكينة.
نشرب شاياً في “الحوش” بعد أن تخطينا مرحلة النقاش في جدوى صمودنا وفرص
خروجنا، بعد شهر من المراجعات والمكاشفات لا يتبقى لنا إلا الذكريات.
وبينما نحكي حواديت حبسات مضت عندما كانت الزنازين تبدو أكثر رحابة والرفاق
أكثر إخلاصاً، رغم أن الثورة وقتها كانت “حلماً مستحيلاً”.. تذكرتني ووجدتني
هناك- في الماضي- في المترو بملابس المدرسة الثانوية أوزع مع زميلي تقريراً
حقوقياً مصوراً عن تعذيب “حرامي مواشي” مسن بالحرق بالجاز في قسم شرطة
الفيوم، نبدل القطارات بسرعة قبل أن يفيق أحدهم من صدمة الصورة ويقبض
علينا.
لم أخبر والدي أنني تسلمت ميراثي يومها. لم يبدُ الأمر مهماً. كنا فقط نحاول
التخفيف من وطأة الغضب، كل هدفي كان إخلاء البيت من تلك الصورة البشعة.. لم
يكن للأمل أي دور!!
هناك في الماضي وجدتني أقل خبرة وأكثر حكمة، أكتب عن جيل يناضل بلا يأس ولا
أمل، لا يملك سوى انتصارات صغيرة، ولا تهزه الهزائم الكبرى لأنها أصل
الأمور.
جيل طموحه أقل ممن سبقوه لكن أحلامه أكثر براحاً.
فيَّ كل العلل.. ولكني لست خائناً. ارتكبت الجبن والأنانية، تسرعت كثيراً
وتهورت أحياناً، وتكبرت وتخاذلت ولكني أبداً لم أخن.. لن أخون الثورة باليأس
ولا بالأمل.. هذا وعد!!